فيلا رقم 19 - الفصل الخامس.
الفصل الخامس: الباب الأحمر وعودة الأب
لم يكن الباب الأحمر مجرد باب.
منذ أن رأى آدم صورته في نهاية الممر، شعر أن المكان كله تغير.
لم تعد الفيلا تبدو كبيت مهجور.
أصبحت شيئًا آخر.
شيئًا بُني خصيصًا من أجله.
وقف أمام الباب.
ظل يحدق في الصورة المثبتة بجانبه.
كان والده يقف أمام الفيلا.
كان يرتدي نفس المعطف البني الذي يتذكره آدم جيدًا.
لكن المشكلة لم تكن في الصورة.
المشكلة كانت في التاريخ.
لم يكن هناك تاريخ مكتوب.
كان هناك توقيت فقط.
اليوم — 09:14 صباحًا.
وآدم كان قد وصل إلى الفيلا بعد الظهر.
يعني أن شخصًا ما التقط الصورة قبل ساعات فقط.
لرجل يفترض أنه مات منذ سنوات.
مد يده نحو مقبض الباب.
ثم توقف.
تذكر الرسالة التي وصلته من الدكتور سامح:
"اخرج من الممر قبل أن تصل إلى الباب الأحمر."
لكن لماذا؟
إذا كان سامح يريد تحذيره، فلماذا أرسل الرسالة الآن؟
ولماذا يعرف مكانه؟
والسؤال الأهم...
كيف عرف أن آدم وصل إلى الباب؟
الصوت القادم من خلف الباب
قبل أن يلمس المقبض...
سمع آدم صوتًا.
صوت رجل.
هادئ.
ضعيف.
لكنه مألوف.
"آدم..."
تجمد مكانه.
أعاد الصوت:
"آدم... افتح."
كان صوت والده.
نفس النبرة.
نفس الطريقة التي كان يناديه بها عندما كان طفلًا.
اقترب آدم من الباب.
وضع أذنه عليه.
"بابا؟"
ساد صمت لثوانٍ.
ثم جاء الرد:
"أنا هنا."
تراجع آدم.
لم يكن مستعدًا لسماع تلك الإجابة.
كل شيء داخله كان يصرخ بأنه مستحيل.
والده مات.
هو نفسه حضر مراسم الدفن.
يتذكر وجهه.
يتذكر ملابس العزاء.
يتذكر أمه وهي تبكي.
يتذكر القبر.
فكيف يمكن للرجل الموجود خلف الباب أن يكون والده؟
قال آدم:
"لو أنت أبويا... قول لي حاجة محدش يعرفها."
جاء الرد فورًا:
"لما كان عندك ست سنين، كنت بتخاف من النوم لوحدك. كنت بتقول إن فيه راجل بيقف في المرآة وبيكلمك."
ارتجف آدم.
هذه المعلومة لم يخبر بها أحدًا.
حتى هو نفسه لم يكن يتذكرها إلا منذ وقت قصير.
ثم جاء صوت والده:
"وأنا قلت لك وقتها إن الراجل ده مش حقيقي."
صمت.
ثم أضاف:
"كنت بكذب عليك."
الباب الأحمر
أمسك آدم بالمقبض.
كان باردًا جدًا.
دار المقبض.
انفتح الباب.
لم يجد والده.
كانت هناك غرفة واسعة.
وفي منتصفها...
كرسي واحد.
وخلف الكرسي زجاج كبير.
كأنه غرفة مراقبة.
دخل آدم ببطء.
أغلق الباب خلفه.
في اللحظة نفسها...
أضاءت شاشة قديمة على الحائط.
ظهر عليها تاريخ:
17 أغسطس 2000
ثم ظهر مقطع فيديو.
رجل يجلس أمام الكاميرا.
كان والده.
كان أصغر سنًا.
ومتعبًا.
ينظر إلى الكاميرا مباشرة.
قال:
"لو أنت بتشوف التسجيل ده، فمعناه إن الخطة فشلت."
توقف آدم عن التنفس.
أكمل والده:
"آدم... لو أنت وصلت للغرفة دي، ما تصدقش أي حاجة هتسمعها من الشخص اللي بيقول إنه أنت."
ظهرت صورة الرجل الذي يشبه آدم.
قال الأب:
"هو مش ابنك التوأم."
توقف.
ثم قال:
"ومش نسخة منك بالطريقة اللي فاكرها."
اقترب آدم من الشاشة.
"أمال هو إيه؟"
كأن والده كان يسمع السؤال.
أجاب:
"هو ذاكرة."
ذاكرة لها جسد
جلس آدم أمام الشاشة.
لم يفهم.
لكن والده بدأ يشرح.
المشروع لم يكن هدفه صناعة أشخاص متشابهين.
في البداية كان الهدف مختلفًا.
كان العلماء يحاولون الاحتفاظ بذكريات الأشخاص بعد موتهم.
تسجيل التجارب.
الأصوات.
المخاوف.
الاختيارات.
ردود الأفعال.
لكنهم اكتشفوا شيئًا غير متوقع.
الذاكرة ليست مجرد صور محفوظة في العقل.
الذاكرة تغير طريقة الإنسان في التفكير.
وتؤثر في قراراته.
بل يمكن أن تصبح جزءًا من شخصيته.
قال الأب:
"لما فقدنا أول مريض، حصل شيء محدش توقعه."
ظهر تسجيل آخر.
شخص يجلس أمام طبيب.
الطبيب يسأله:
"اسمك إيه؟"
أجاب:
"آدم."
تغيرت الصورة.
مريض آخر.
نفس الإجابة.
"آدم."
ثم ثالث.
ثم رابع.
كلهم يقولون الاسم نفسه.
أغلق الأب عينيه للحظة.
ثم قال:
"ما كناش بنصنع نسخ من آدم."
توقف.
"كنا بنصنع أشخاصًا يعتقدون أنهم آدم."
الحقيقة التي أخفاها الأب
شعر آدم بالدوار.
سأل الشاشة:
"يعني أنا مين؟"
ظهر تسجيل آخر.
والده هذه المرة كان يبكي.
قال:
"دي الحاجة الوحيدة اللي حاولت أمنعهم من معرفتها."
ثم اقترب من الكاميرا.
"أنت مش نسخة رقم اتنين."
سكت طويلًا.
ثم قال:
"أنت أول شخص خرج من التجربة من غير ما يعرف إنه كان جزء منها."
تراجع آدم.
لم يستطع الكلام.
لكن التسجيل لم ينته.
قال الأب:
"لما كان عمرك ست سنين، حصل الحادث."
ظهرت صور قديمة للحريق.
"كان فيه ثلاثة أطفال."
تغيرت الشاشة.
ثلاث صور.
الأولى تحمل:
A-01
الثانية:
A-02
الثالثة:
A-03
قال الأب:
"الأول مات."
ثم:
"الثاني اختفى."
ثم نظر إلى الكاميرا.
"والثالث خرج من الفيلا."
ظهر وجه الطفل الثالث.
كان آدم.
من هو الرجل الآخر؟
وقف آدم.
"يبقى هو A-02."
جاء صوت خلفه:
"بالضبط."
استدار.
كان الرجل الذي يشبهه يقف عند الباب.
قال آدم:
"إنت A-02؟"
هز الرجل رأسه.
"أنا أول واحد."
صمت آدم.
"إزاي؟"
اقترب الرجل.
"لأنهم صنعوا نسختين مني."
"وأنا؟"
"أنت الأصل."
توقف آدم.
لم يستطع الرد.
قال الرجل:
"بس الأصل ما كانش المفروض يعيش."
الدكتور سامح
فتح الباب خلف الرجل.
ظهر الدكتور سامح عزمي.
نفس الرجل الذي عرفه آدم لسنوات.
الطبيب الذي كان يعالجه.
الطبيب الذي كان يسمع أحلامه.
الطبيب الذي يعرف كل شيء.
قال سامح:
"كفاية."
نظر إليه آدم بغضب.
"أنت كنت عارف."
"أيوه."
"أبويا مات بسببك؟"
"لا."
"إذن بسبب مين؟"
لم يجب سامح.
صرخ آدم:
"بسبب مين؟!"
قال سامح:
"بسبب والدك."
تجمد آدم.
"أبوك هو اللي بدأ التجربة."
"كداب."
"هو اللي اختار اسمك."
"كداب!"
"وهو اللي قرر إنك تكون آخر محاولة."
اقترب سامح.
"لكن أبوك غيّر رأيه."
الصفقة
قال سامح:
"أبوك اكتشف إن التجربة نجحت."
"يعني إيه؟"
"اكتشف إن الذكريات ممكن تنتقل."
ثم أضاف:
"لكن كان فيه ثمن."
سأل آدم:
"إيه الثمن؟"
نظر سامح إلى الرجل الآخر.
قال:
"كل نسخة جديدة كانت تحتاج جزءًا من ذاكرة النسخة السابقة."
تراجع آدم.
"يعني..."
قال سامح:
"كل مرة كنا بنصنع فيها نسخة، النسخة القديمة كانت بتفقد جزءًا من نفسها."
قال الرجل الآخر:
"وأنا فقدت كل حاجة."
نظر إلى آدم.
"إلا ذكرياتك."
الرجل الذي عاش داخل المرآة
فهم آدم فجأة.
المرآة.
الغرفة رقم صفر.
الصور.
كلها لم تكن لإخافته.
كانت لتذكيره.
قال:
"الغرفة رقم صفر..."
رد الرجل:
"كانت غرفة الاسترجاع."
"استرجاع إيه؟"
"ذكرياتك."
ثم أضاف:
"كل مرة كنت بترجع فيها للفيلا، كانوا بيشغلوا الغرفة عشان يسترجعوا الجزء اللي فقدته."
قال آدم:
"أنا جيت هنا قبل كده؟"
أجاب:
"مرات."
"كام مرة؟"
صمت الرجل.
ثم قال:
"سبعة عشر."
الرقم 19
نظر آدم إلى الباب.
"وليه رقم 19؟"
ابتسم سامح.
"لأن التجربة رقم 19 كانت آخر تجربة."
"ومين التجربة؟"
نظر سامح إلى آدم.
"أنت."
سكت الجميع.
قال سامح:
"كل اللي حصل قبل كده كان فشل."
ثم أشار إلى الرجل الآخر.
"هو أقرب محاولة."
ثم إلى آدم:
"أما أنت..."
توقف.
"أنت أول شخص حافظ على ذاكرته بالكامل."
الكذبة الأخيرة
قال آدم:
"إذن ليه أبويا قال لي أهرب؟"
نظر سامح إلى الأرض.
"لأنه عرف الحقيقة."
"أي حقيقة؟"
قال سامح:
"إن التجربة لم تكن تهدف إلى صناعة نسخة من الإنسان."
ثم رفع عينيه.
"كانت تهدف إلى صناعة إنسان يمكن التحكم في ذكرياته."
شعر آدم بقشعريرة.
قال:
"يعني كانوا يقدروا يغيروا ذكرياتي؟"
أجاب سامح:
"مش بس يغيروها."
صمت.
"يقدروا يحطوا ذكريات جديدة."
الهاتف
رن هاتف آدم.
نظر إلى الشاشة.
رقم مجهول.
فتح الاتصال.
لم يقل شيئًا.
جاء صوت امرأة.
صوت لم يسمعه منذ سنوات.
صوت أمه.
قالت:
"آدم..."
تجمد.
"ماما؟"
قالت:
"ما تثقش في سامح."
نظر آدم إلى الطبيب.
كان سامح شاحبًا.
ثم قالت:
"أبوك ما ماتش."
انقطع الاتصال.
ساد الصمت.
قال آدم:
"إيه معنى الكلام ده؟"
لم يجب أحد.
لكن الرجل الآخر اقترب من النافذة الزجاجية.
وأشار إلى الغرفة خلفها.
قال:
"لو عايز تعرف الحقيقة..."
توقف.
ثم قال:
"شوف بنفسك."
الغرفة خلف الزجاج
اقترب آدم من الزجاج.
كانت الغرفة مظلمة.
ضغط سامح زرًا.
أضاءت الأنوار.
ظهر سرير طبي.
وأجهزة قديمة.
وفي منتصف الغرفة...
رجل مستلقٍ.
موصول بأسلاك.
كان شعره أبيض.
وجهه أكبر سنًا.
لكن آدم عرفه فورًا.
لم يكن هناك مجال للشك.
كان والده.
حيًا.
عيناه مغلقتان.
والأجهزة حوله تعمل.
قال آدم بصوت مكسور:
"بابا..."
ثم فتح الرجل عينيه.
نظر مباشرة عبر الزجاج.
وكأنه كان ينتظره.
رفع يده ببطء.
ووضع إصبعه على فمه.
لا تتكلم.
نهاية الفصل الخامس
اقترب آدم من الزجاج.
وضع يده عليه.
والده وضع يده في المكان نفسه.
لكن فجأة...
ظهر شيء على شاشة المراقبة.
بيانات جديدة.
SUBJECT A-19
ثم:
MEMORY RESTORATION: 83%
ثم ارتفع الرقم:
84%
85%
بدأ آدم يشعر بصداع شديد.
سمع أصواتًا داخل رأسه.
صوت طفل.
صوت أمه.
صوت والده.
صوت الرجل الآخر.
ثم صوت امرأة لا يعرفها.
قالت:
استيقظ يا آدم... هذه ليست أول مرة تصل فيها إلى هنا."
سقط آدم على ركبتيه.
بدأت ذكريات جديدة تظهر.
هو طفل.
هو داخل الفيلا.
هو يجلس على الكرسي.
الدكتور سامح أمامه.
والده يقف خلف الزجاج.
ثم سمع نفسه يقول:
امسحوا كل حاجة... وخلوه ينسى إنه الأصل."
فتح آدم عينيه.
نظر إلى سامح.
ثم إلى والده.
ثم إلى الرجل الذي يشبهه.
ولأول مرة...
لم يعرف أي واحد منهم يكذب.
لكن على شاشة المراقبة ظهر سطر جديد:
MEMORY RESTORATION: 100%
ثم ظهرت جملة واحدة:
SUBJECT A-19 REMEMBERS EVERYTHING.
وانطفأت الأنوار.
🔥 نهاية الفصل الخامس
الحقيقة التي كان آدم يبحث عنها طوال الوقت بدأت تظهر...
لكنها كانت أسوأ مما توقع.
آدم لم يكن مجرد نسخة.
بل كان جزءًا من تجربة عمرها سنوات.
والده حي.
الدكتور سامح يخفي شيئًا.
والرجل الذي يشبه آدم ربما لا يكون عدوه.
لكن أخطر شيء هو أن آدم نفسه اكتشف أنه ربما كان يعرف الحقيقة طوال الوقت...
ثم طلب من الجميع أن يجعلوه ينساها.
💬 شاركنا رأيك
لو كنت مكان آدم واكتشفت أن والدك حي بعد سنوات من اعتقادك أنه مات:
هل تثق به؟
والأهم:
هل تعتقد أن الذكريات التي يتذكرها آدم الآن حقيقية فعلًا... أم أن شخصًا ما زرعها داخل عقله؟
اكتب توقعك قبل الفصل السادس، لأن الفصل القادم سيكشف سبب وجود آدم الحقيقي داخل فيلا رقم 19، ومن الذي طلب محو ذاكرته.